البقاء لله وتعازينا لكل أسر الشهداء

مجزرة بورسعيد‏..‏ هل تكون نقطة تحول؟

ممدوح الولي المشهد مباراة كرة عادية‏,‏ نتيجتها ليست حاسمة في تقرير مصير بطولة الدوري أو الكأس‏,‏ وانتهت نتيجتها بفوز الفريق المستضيف‏,‏ فهل يمكن أن تكون النتيجة هذا العدد غير المسبوق من الضحايا والمصابين؟ في وقت نسمع فيه كثيرا عن مقتل واحد أو اثنين من الفلسطينيين نتيجة قصف جوي لقطاع غزة.


توقيت الحدث أيضا يزيد الأمر غرابة, بلد يعاني الانفلات الأمني ومن بقاء الأمور علي ما هي عليه طوال عام كامل من الثورة, في المجال الاقتصادي والاجتماعي, ومن هنا فهو بحاجة لتقليل الفترة الزمنية للوصول إلي الحكم المدني الذي يعوض ما فات من قصور وبطء في حصاد ثمار الثورة, بعد أن أصبح لديه برلمان منتخب انتخابا حرا للمرة الأولي عبر عقود.


ويزيد الأمر غرابة, ما حدث أخيرا من سطو مسلح علي بنك ومكتب بريد وشركة صرافة وشركة نقل أموال, وهو أمر لم يحدث خلال فترة الغياب الشرطي الكامل, وأن يحدث ذلك في مناطق مأهولة مثل مدينة نصر وحلوان وليس في أقاصي الصعيد.


ممدوح الولي


وهكذا يمكن توجيه أصابع الاتهام والشك إلي قيادات أمنية لم تطلها أيدي التطهير, تخشي المحاسبة والعقاب عندما يبدأ الحكم الطبيعي بعد شهور قليلة, بدليل عدم التدخل الأمني رغم التحذير الإعلامي من توقع أحداث غير طبيعية بالمباراة.


ويمتد ذلك الشك إلي قيادات حكومية وإعلامية شاركت في الفساد وحققت ثروات من خلاله تخشي المحاسبة خلال العهد الجديد, ومثل ذلك ينطبق علي رجال أعمال حققوا ثرواتهم نتيجة أوضاع غير طبيعية مستفيدين من مراكزهم بالحزب الوطني.


أهالي بورسعيد هم أول من سيدفعون الثمن لما حدث
البعض أشرك المجلس العسكري في تلك الشكوك, بدعوي إطالة فترة الإمساك بالسلطة خشية فقدان النفوذ والمحاسبة, وآخرون أشركوا الجمعيات الأهلية التي حصلت علي دعم أجنبي بعشرات الملايين من الدولارات لإعاقة التطور الديمقراطي, والحيلولة دون استمرار الإسلاميين في مراكز صنع القرار.


ومن الواضح أن ضخامة عدد الضحايا بالمجزرة تشير إلي أنه لا يمكن أن يتسبب عامل وحيد في تلك النتائج الكارثية التي حدثت, بداية من تراجع هيبة الدولة والتقصير الأمني والتحريض الإعلامي, والتصعيد من قبل بعض التيارات الممولة من الخارج, وتفشي ظاهرة البلطجة والعنف وتزايد عدد العاطلين والفاقدين للأمل في الإصلاح, حجم الكارثة يشير إلي عوامل مركبة كانت وراءها, ستكشف الأيام القادمة عن بعضها.


والخطير أن تتحول مجزرة بورسعيد إلي مجرد حادث مثلها مثل حادث ماسبيرو أو محمد محمود أو مجلس الوزراء, الأمر الذي يعني إمكانية أن تعقبها حوادث أخري في ضوء تهديد البعض بمنع قطار بورسعيد من المرور بالاسماعيلية أو منع سيارات بورسعيد من المرور علي الطريق السريع, أو تعقب مواطني بورسعيد خارج محافظتهم, ليتحول الأمر إلي بوادر حرب أهلية, خاصة مع استنكار أهالي بورسعيد لما حدث من قلة من الموتورين.


فأهالي بورسعيد هم أول من سيدفعون الثمن لما حدث, سواء في تراجع حجم النشاط التجاري الذي يعد عماد اقتصادهم, أو تراجع سمعة بلدهم محليا وخارجيا لبعض الوقت, لكن الخسارة للوطن أكبر من ذلك بكثير, بداية من الضحايا إلي عدد المصابين إلي تأثر النشاط الاقتصادي الداخلي والخارجي, سواء من خلال تراجع النشاط التجاري والتأثير علي سعر صرف الجنيه المصري, وتراجع السياحة والاستثمار المحلي والخارجي.


كيف نجعل أحداث مجزرة بورسعيد نقطة تحول لإنقاذ الوطن
واستمرار تراجع التصنيف الائتماني للبلاد بما يعنيه ذلك من ارتفاع تكلفة الاقتراض والواردات وانعكاس ذلك علي التضخم ومستوي المعيشة, في وقت نتفاوض فيه مع مؤسسات دولية للاقتراض لسد العجز بالموازنة, لتدبير الضروريات والاستمرار في دعم السلع الأساسية.


من كل ما سبق تتضح خطورة الموقف داخليا وخارجيا, وأهمية أن نجعل أحداث مجزرة بورسعيد نقطة تحول لإنقاذ الوطن, من خلال تآلف حقيقي بين كل الفصائل والتيارات والأحزاب, في حوار تشارك فيه النقابات والاتحادات والمجتمع الأهلي, وأن نتغاضي عن خلافاتنا الجزئية لإنقاذ سفينة الوطن.


وإعمال حكم القانون علي الجميع أيا كانت مراكزهم, وسرعة عقاب الجناة, وأن نخطو خطوات نحو اللامركزية والإسراع بتكوين المجالس الشعبية, والمزيد من المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات, وعدم الاقتصار علي تحميل الغير المسئولية عن الأحداث التي ندفع جميعا تكلفتها. وأن تعود الشخصية المصرية إلي طبيعتها المتسامحة التي تحرص علي حرمة الدماء.


فتغيير الوزارة وحده لن يحل المشكلة, وتغيير بعض المسئولين ليس علاجا كافيا, فالمطلوب هو التغيير الشامل الذي يبدأ بأفراد الأمة, ويمتد إلي المسئولين الذين أفسدوا خلال العقود الماضية ولم تطلهم أيدي المحاسبة حتي الآن, فأمامنا مشوار طويل للإصلاح يحتاج لسنوات من الجهد المتواصل, والتكاتف بين كل الفصائل حتي يحدث التغيير المنشود.




.

معلومات إضافية